العراق بين فوهات الصراع وجسور التوازن.. دبلوماسية تحمي الوجود وتعيد رسم الجغرافيا



+A
-A

بغداد اليوم – بغداد
في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد سؤال السياسة الخارجية في العراق محصوراً في كيفية إدارة العلاقات بين الدول، بل تجاوز ذلك إلى سؤال أكثر حساسية وتعقيداً: كيف يمكن للدبلوماسية أن تسهم في حماية وجود الدولة نفسها؟ فالعراق يقف في مركز جيوسياسي شديد التعقيد، حيث تتشابك مصالح القوى الدولية والإقليمية على أراضيه، ما يجعل من الدبلوماسية جزءاً أساسياً من الأمن القومي، وليست مجرد أداة لإدارة الملفات الخارجية.

استاذ الدراسات الدولية في كلية العلوم السياسية بجامعة الكوفة الدكتور باسل محسن يوضح لـ”بغداد اليوم” أن النظر إلى السياسة الخارجية لم يعد كافياً لفهم التحديات، فالمعضلة الحقيقية تتعلق بقدرة الدولة على حماية وجودها عبر أدوات الدبلوماسية. ويشير إلى أن “البيئة المحيطة بالعراق تخضع لإعادة تشكيل عميقة في موازين القوى، حيث يتقاطع التنافس الأمريكي–الإيراني مع صراعات المنطقة، ومع التحولات في النظام الدولي، ومع سباق الممرات الاقتصادية والطاقة. ويقف العراق في قلب هذا المشهد باعتباره محوراً يربط الخليج بتركيا وإيران وسوريا والأردن، ما يمنحه موقعاً بالغ الحساسية”.

هندسة التوازنات

ويرى محسن أن “هذا الموقع لا يسمح للعراق باختيار جغرافيته السياسية، بل يفرض عليه إدارة واقعه كما هو”، موضحاً أن “الجغرافيا تنتج معادلة دقيقة؛ فالعراق هو الدولة الوحيدة التي تتقاطع داخلها مصالح القوى الكبرى والإقليمية، واستقراره يمثل مصلحة مشتركة لجميع الأطراف رغم تناقضاتهم، فيما يشكل انهياره تهديداً جماعياً للجميع، وهذه المفارقة تجعل من الضروري أن تنتقل الدبلوماسية العراقية من حالة ردّ الفعل إلى دور هندسة التوازنات”.

ويشير الأكاديمي إلى أن “الحديث عن تبني حياد تقليدي مماثل لتجارب دول مثل سويسرا أو النمسا غير واقعي، فالعراق يفتقد الشروط البنيوية التي سمحت لتلك الدول بتطبيق نماذج الحياد، سواء على مستوى الغطاء الأمني الدولي أو نظامه الاقتصادي أو طبيعة تركيبته السياسية أو حجم التهديدات العابرة للحدود، لذلك فإن فكرة (الحياد المطلق) تبقى نظرية أكثر منها عملية، فيما يبرز خيار (الحياد الاستراتيجي الإيجابي) باعتباره النموذج الأكثر واقعية. ويقوم هذا الخيار على عدم الانضمام إلى أي محور صراع، ورفض تحويل الأراضي العراقية إلى ساحة مواجهة، واعتماد دور الوسيط الإقليمي والدولي، بما يجعل الاستقرار العراقي مصلحة مشتركة للجميع”.

دبلوماسية متعددة

ويبيّن محسن أن “هذا الدور يتطلب تعزيز الروابط الاقتصادية مع دول الجوار، والمضي في المشاريع الشبكية وفي مقدمتها طريق التنمية، بشرط أن تكون أدوات الرقابة المالية والردع الأمني الاقتصادي قادرة على مواجهة أي تهديدات أو محاولات لإضعاف هذه المشاريع، خصوصاً تلك المحتملة من الكيان الصهيوني”، مضيفا أن “العراق لا يقف خارج الصراع بل يقف فوقه، وأن جوهر المرحلة هو الانتقال من وضع (ساحة صراع) إلى (مركز توازن)، وهذا لا يتحقق إلا بدبلوماسية متعددة الأبعاد، تشمل الدبلوماسية الأمنية الهادفة إلى تجنب تحويل العراق إلى ساحة حرب بالوكالة عبر إدارة الوجود العسكري الدولي بمرونة وتخفيف الاحتكاك بين القوى المتنافسة، إلى جانب تعزيز سيادة القرار الأمني الوطني، كما تشمل الدبلوماسية الاقتصادية، إذ إن القوة في القرن الحادي والعشرين تُبنى عبر الممرات الاقتصادية والطاقة، وليس بالقوة العسكرية وحدها”.

ويؤكد محسن أن “العراق يمتلك فرصة تاريخية ليكون عقدة طاقة إقليمية وممراً برياً بين الخليج وتركيا وأوروبا، ومركزاً لوجستياً للتجارة الإقليمية، وأن جعل الاستقرار العراقي مصلحة اقتصادية للجميع سيحول حمايته إلى هدف دولي”، مبينا أن “امتلاك العراق لعلاقات منفتحة مع أطراف متخاصمة يمنحه قدرة نادرة على لعب دور الوسيط الإقليمي والتحول إلى منصة دائمة للحوار، وهو دور يوفر حماية سياسية ويقلل احتمالات استهدافه، ويزيد من وزنه الجيوسياسي”.

حياد سلبي 

ويشير الأكاديمي إلى أن “نجاح مبدأ “العراق أولاً” في السياسة الخارجية يتطلب توحيد الخطاب الخارجي وتقليل تأثير الانقسام الداخلي على القرارات الدولية، وتمكين وزارة الخارجية لتكون مركز التخطيط الاستراتيجي للدولة”، محذرا من أن “فشل خيار التوازن سيقود إلى سيناريوهات خطرة، من بينها الاصطفاف مع محور معين بما يجلب ضغوطاً من المحور المقابل، أو الانخراط في صراعات مباشرة قد تعيد العراق إلى دائرة المواجهة، أو الوقوع في حياد سلبي يؤدي إلى فقدان النفوذ والتأثير”.

ويختتم محسن بالقول إن “العراق لا يحتاج إلى اختيار محور بقدر حاجته إلى اختيار دور، والدور الأكثر واقعية هو أن يتحول إلى دولة توازن إقليمي لا دولة مواجهة ولا دولة تابعة”، مؤكداً أنه “إذا نجحت بغداد في ترسيخ هذا النموذج، فإن الجغرافيا التي شكلت لعقود سبباً للأزمات قد تتحول إلى أعظم مصادر القوة الاستراتيجية للعراق في القرن الحادي والعشرين”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *