الصحافة العراقية تحتضر بين “الذكاء الاصطناعي ودخلاء المهنة والجيوش الإلكترونية”.. أين النقابة؟- عاجل » وكالة بغداد اليوم الاخبارية



+A
-A

بغداد اليوم – بغداد

في كل غرفة أخبار اليوم، تقريبًا، يدور الحوار نفسه: هل استخدام الذكاء الاصطناعي في التحرير والكتابة “يسحب” من الصحفي مهنيته؟ أم أنّ تجاهل هذه الأدوات هو الذي يهمّش الصحفي ويجعله خارج زمنه المهني؟

جزء من المؤسسات الصحفية في العراق ينظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه خطرًا مباشرًا: أداة تجرّد الصحفي من مهارته، وتحوّل النص إلى منتج آلي متشابه، وتفتح الباب أمام جيل من “الكتّاب الجاهزين” الذين لا خبرة لهم بالميدان ولا بالمصادر. في المقابل، بدأ صحفيون آخرون يتعاملون مع هذه الأدوات بوصفها مساعدًا لا بديلًا:

-تُسرّع البحث.

-تساعد في تجميع الخلفيات والأرقام.

-تقترح صيغًا لغوية أفضل.

من دون أن تنتزع من الصحفي حقّه في اختيار الزاوية، وطرح الأسئلة، وتحمل المسؤولية عمّا يُنشر. هذا النقاش يعيد إلى الذاكرة تحوّلًا أقدم: يوم انتقلت الصحافة من الورق إلى المواقع الإلكترونية، وكيف قاوم جزء من الجيل الأول هذه النقلة، معتبرًا أن “الصحافة الحقيقية” لا تكون إلّا على الورق، وأن المواقع مجرّد “لوحات إعلانات سريعة” لن تصمد طويلًا.

بعد سنوات، صمدت المواقع وتوسّعت، وتغيّر شكل المهنة، بينما بقي جوهرها نفسه:

-مصدر موثوق.

-تحرير مهني.

-حضور في الميدان.

اليوم يبدو النقاش متكررًا، لكن مع عنصر جديد اسمه الذكاء الاصطناعي، في ظل سؤال أوسع: أين تقف نقابة الصحفيين العراقية من كل هذا؟

بين أداة مساعدة وبديل كسول ومدعٍ للمهنة

التجربة اليومية في غرف الأخبار تشير إلى نموذجين واضحين لاستخدام الذكاء الاصطناعي: صحفي يعتمد عليه بالكامل، يطلب من الأداة كتابة الخبر أو التقرير من الصفر، بلا تحقّق من الأرقام، ولا مراجعة للمعلومات، ولا إضافة من خبرته أو مصادره؛ وهنا تتحقق المخاوف من “صحافة بلا روح وبلا مسؤولية”. وصحفي آخر يستخدم الأداة كجزء من صندوق أدواته:

-يجمع من خلالها الخلفيات الإحصائية.

-يبحث عن صيغ لغوية أقل رتابة.

-يلخّص نصوصًا طويلة، ثم يعيد صياغتها بطريقته ومهنته وتجربته.

لكن وسط هذين النموذجين، برز في السنوات الأخيرة عامل ثالث يربك الصورة أكثر: أي شخص يجيد تشغيل أداة ذكاء اصطناعي، أو إعادة صياغة نصوص جاهزة، بات قادرًا على تقديم نفسه بصفة “محرر صحفي” أو “كاتب”، وهو في الأصل لا يمتلك أبسط أبجديات المهنة؛ لا يعرف مصادر الأخبار، ولا أسس التحقق، ولا قواعد اللغة، ولم يختبر يومًا معنى أن تكون مسؤولًا عن كلمة منشورة أمام جمهور وقانون وتاريخ مهني.

هذه الفئة أصبحت حجّة جاهزة بيد من يعارضون التحوّل الرقمي؛ فيقولون إن الذكاء الاصطناعي “قتل المهنة” و”فتح الباب أمام الدخلاء”. بينما الواقع أنّ المشكلة أعمق: فوضى التوصيفات داخل المؤسسات، وضعف معايير التوظيف في أقسام الأخبار، وقبول أن يشغل مواقع التحرير من لا يملك مؤهلات الصحفي أو المحرر الثاني أو الأول. الأداة هنا لم تخلق الخلل، بل فضحته ووسّعته.

في وسط هذا المشهد، يبرز عامل آخر نادرًا ما يُقال بصراحة: بعض الكتّاب الكبار الذين يعارضون استخدام الذكاء الاصطناعي لا يرفضون الفكرة فقط، بل يجهلون أصلًا كيف تُستخدم هذه الأدوات كمساعد مهني. تمسّكهم بشكل الصحافة القديم ليس دائمًا دفاعًا عن “النقاء المهني”، بقدر ما هو في كثير من الأحيان تمسّك بما يعرفونه، وخوف من الدخول في منطقة لا يتقنون لغتها التقنية. النتيجة أنّهم يحاربون الأداة من خارجها، بينما تتقدّم أجيال أصغر عمرًا وأكثر مرونة في التعامل مع هذه التقنيات، وتجعل من الذكاء الاصطناعي امتدادًا لقدرتها على العمل، لا بديلًا عنها.

مع مرور الوقت، تبدو المعادلة واضحة: من لا يلتحق بهذا الركب، بحذر ومسؤولية، سيغلبه نوع جديد من الصحافة الرقمية التي تدمج بين العمل المهني والأدوات الذكية. بعض المواقع الإخبارية في العالم بدأت بالفعل تستخدم الذكاء الاصطناعي بشكل شبه كامل في التدفق الخبري، مع إشراف بشري محدود على العناوين والترتيب والتنقيح. وفي مجال الأخبار العاجلة تحديدًا، لم يعد الحديث عن “استخدام الذكاء الاصطناعي” خبرًا جديدًا؛ فالكثير من غرف الأخبار تعتمد عليه منذ مدة طويلة في رصد المصادر، وتجميع التحديثات، وإخراج إشعارات عاجلة في ثوانٍ، قبل أن يضبط الصحفي الحقيقي التفاصيل ويراجعها.

في الحالة الأولى، المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي بل في كسل الصحفي أو عجز المؤسسة عن تنظيم العمل، وفي الحالة الثالثة المشكلة في منح لقب “محرر” لمن لا يستحقه. وفي الحالة الثانية، الأداة لا تلغي مهنة الصحافة، بل تعيد تعريف بعض تفاصيلها، مثلما فعلت من قبل محركات البحث والأرشيفات الإلكترونية.

هنا بالضبط يبرز دور النقاش داخل المؤسسات: هل المطلوب منع الأداة بالكامل، أم وضع قواعد مهنية لاستخدامها، مثل:

-منع اختلاق المصادر أو الاقتباسات.

-إلزام الصحفي والمحرر بالتوثّق من الأرقام والمعلومات.

-ألا يُنشر نص من دون مراجعة بشرية مسؤولة تمتلك فعلًا صفة “الصحفي” أو “المحرر” لا مجرد صلاحية الدخول إلى النظام التحريري.

نقابة الصحفيين.. بين النص القانوني والواقع العملي

في قلب هذا المشهد، يقف جسم يفترض أن يكون “بيت المهنة”: نقابة الصحفيين العراقيين. على الورق، قانون النقابة يحمّلها مسؤوليات كبيرة؛ من حماية كرامة الصحفي، إلى الدفاع عن حقوقه، وتنظيم شؤون المهنة بما ينسجم مع التطورات. لكن في الواقع، يبدو أنّ الفجوة بين النص القانوني وما يعيشه الصحفي يوميًا ما زالت واسعة.

في حديثه لـ”بغداد اليوم”، يرى الأستاذ المساعد الدكتور علي شمخي أنّ ولادة مجلس جديد للنقابة بعد الانتخابات الأخيرة رفعت سقف التوقعات لدى الصحفيين، لكنّ هذه التوقعات لن تتحقق ما لم يبدأ المجلس بمراجعة جدّية لكلّ ما رافق عمل المجالس السابقة من مشكلات ومعوّقات. ويشير إلى أنّ جوهر الإشكال لا يتعلق بالنقابة وحدها، بل بطبيعة تعامل النظام السياسي كله مع العمل الصحفي، إذ لم تُؤمَّن، حتى الآن، رعاية مهنية واجتماعية حقيقية للصحفيين، ولا جرى الالتفات إلى حاجاتهم الأساسية بما يليق بدورهم.

يضرب شمخي مثالًا واضحًا على ذلك بطريقة إدارة ملف المنحة السنوية التي أقرتها الدولة للصحفيين، موضحًا أنّ الظروف والسياقات التي أحاطت بصرف هذه المنحة عكست، في نظره، نظرة دونية لكرامة الصحفي العراقي، ووجود أطراف “لا تحترم إرادة الصحفي أو تحاول التقليل من شأن عمله”. وبرأيه، فإنّ أخطر ما يواجه المهنة اليوم هو تحوّل الشأن الصحفي إلى ساحة مفتوحة لتدخل جهات وأحزاب ومجموعات نافذة، تحاول تشويه الجوانب المهنية في العمل الصحفي، ومصادرة حق الصحفيين في إبقاء نقابتهم بعيدة عن التجاذبات السياسية بكل عناوينها.

من هنا، يضع شمخي ما يصفه بـ”المطلب الأول” أمام المجلس الجديد: إعادة الاحترام لكرامة الصحفي العراقي، واحترام رأيه، ورفع الحواجز أمام وصول هذا الرأي إلى الهيئة العامة، إلى جانب جعل الشفافية في إدارة النقابة واقعًا ملموسًا لا شعارًا عامًا، بحيث لا يشعر الصحفي أنّه يتعامل مع مؤسسة تغلّف الحقائق أو تخفيها، بل مع بيت مهني مفتوح أمام أسئلته واعتراضاته.

كلام شمخي يفتح أكثر من ملف في آن واحد:

-علاقة النقابة بالنظام السياسي.

-تدخل الأطراف والأحزاب في الشأن المهني.

-غياب الشفافية في إدارة ملفات حساسة مثل المنح.

وفي زمن الذكاء الاصطناعي، تصبح هذه الملاحظات أكثر حدة: كيف يمكن لنقابة لم تحسم بعد علاقتها بالتسييس والتدخلات أن تقود نقاشًا حديثًا حول أدوات رقمية تحتاج إلى قدر أعلى من الاستقلال والشفافية؟

انتخابات صاخبة، انشقاقات هادئة، وأسئلة معلّقة

المشهد النقابي في السنوات الأخيرة لم يقتصر على مؤتمرات وانتخابات واحتفالات وظهور إعلامي لافت، بل شهد أيضًا انشقاق عدد كبير من الصحفيين وتشكيل اتحاد موازٍ معترف به على مستوى الدولة.

هذا الواقع يطرح أسئلة إضافية:

-ما الذي دفع جزءًا من الجسم الصحفي إلى البحث عن إطار آخر؟

-هل السبب هو فقدان الثقة بآليات عمل النقابة؟

-أم الإحساس بأن القرار محصور في دائرة ضيقة، بينما تُستخدم بقية الهيئة العامة كغطاء شكلي؟

في النقاش الداخلي بين الصحفيين، تُذكر أسباب مثل:

-إحساس بالتفاوت في توزيع الامتيازات والفرص.

-شعور بأن الصحفي الشاب، الرقمي، أو الميداني، أقل تمثيلًا من غيره.

-تداخل بين استحقاقات مهنية واستحقاقات سياسية في كل استحقاق نقابي.

بالتوازي مع ذلك، ظهرت صور ولقطات لاحتفالات “باذخة” في الاستحقاقات الأخيرة، في وقت ما زالت فيه ظروف كثير من الصحفيين المعيشية هشّة، ورواتبهم متقطعة، وفرص حمايتهم القانونية محدودة.

هذا التناقض بين صورة “الاحتفال” وواقع المهنة يعمّق سؤالًا أساسيًا في هذا النقاش: هل تقود النقابة اليوم مشروعًا لتطوير الصحافة في العراق، أم تدير فقط استحقاقات داخلية، من دون أن تنعكس بشكل واضح على حياة الصحفي اليومية؟

بين الشاشات والجيوش الالكترونية.. فراغ نقابي في أخطر ساحة

جانب آخر لا يقل خطورة يتعلّق بدور النقابة في مواجهة الجيوش الالكترونية التي تسعى في البلاد خرابًا، بشائعات منظّمة وحملات تشويه وتخوين تستهدف الصحفيين والمؤسسات المستقلة والحكومية، وتعمل على تعميق الانقسام والتفرقة.

هذه الجيوش لا تتحرك عشوائيًا؛ في كثير من الأحيان تكون مرتبطة بجهات سياسية أو اقتصادية نافذة، تستخدم الحسابات الوهمية وصفحات مدفوعة لإطلاق موجات متزامنة من:

-التسقيط الشخصي.

-ضرب المصداقية المهنية.

-ترويج روايات موازية تُربك الرأي العام وتشوّه الحقائق.

في معظم هذه الحالات، يجد الصحفي أو المؤسسة المستهدفة نفسه وحيدًا أمام سيل من الإساءات والتهديدات والافتراءات، من دون غطاء نقابي حقيقي. لا توجد حتى الآن آلية واضحة داخل النقابة لرصد هذه الحملات، أو توثيقها، أو تحويلها إلى ملفات مهنية وقانونية جدية، تُظهر أن استهداف الصحفي بهذه الطريقة ليس “سجالًا عاديًا على فيسبوك”، بل اعتداء على بيئة العمل الصحفي وعلى حق المجتمع في الوصول إلى معلومة مستقلة.

دور النقابة هنا يمكن أن يكون محوريًا لو أرادت:

-إنشاء مرصد خاص للجيوش الالكترونية يستقبل بلاغات الصحفيين والمؤسسات المستهدفة.

-توثيق الحملات الممنهجة ورفع تقارير بها إلى الجهات القضائية والرقابية.

-توفير دعم قانوني وإعلامي للصحفي الذي يتعرّض لحملة تسقيط بسبب عمله المهني، لا بسبب صراع شخصي.

-إطلاق مدوّنة سلوك رقمية، تضع حدًا فاصلًا بين النقد المشروع، وحملات الكراهية والتخوين والتحريض.

في غياب مثل هذا الدور، تبقى الجيوش الالكترونية تتحرك في مساحة فارغة رقابيًا، تملؤها الفوضى، ويدفع ثمنها الصحفي الذي يجرؤ على نشر ما لا يناسب هذه الجهة أو تلك، بينما تقف مؤسسته النقابية في مقاعد المتفرجين.

ما بين الأمس والغد.. أين تقف مهنة الصحافة في العراق؟

الجيل الذي كان يكتب على الآلة الطابعة، ثم قاوم المواقع الإلكترونية، ثم انتقل متأخرًا إلى المنصات الرقمية، يواجه اليوم احتمال موجة جديدة من التغيير. لكن الجوهر لم يتغير:

-صحفي يبحث.

-يواجه السلطة.

-يدوّن ما لا تريد بعض الجهات أن يُقال.

الذكاء الاصطناعي لن يكتب بدل الصحفي تقريره الميداني، ولن يقرّر عنه زاويته، ولن يتحمل عنه ثمن كلمة صادقة. لكنه يمكن أن يتحوّل إلى خطر حقيقي إذا استُخدم في مؤسسات لا تؤمن بالتحقق ولا بالمحاسبة، أو في يد من يملك النفوذ بلا مسؤولية.

في هذا النقاش المفتوح، تبدو الحاجة واضحة إلى:

-مؤسسات إعلامية تعترف بالأداة وتضع لها قواعد واضحة.

-صحفيين يستخدمون الذكاء الاصطناعي كوسيلة تقوّي عملهم لا تقتله.

-ونقابة صحفيين تعيد، كما قال علي شمخي، الاعتبار لكرامة الصحفي واحترام رأيه، وتفتح الباب أمام نقاش داخلي شفاف حول دورها في هذا الزمن الجديد، بما في ذلك معركتها المؤجلة مع الجيوش الالكترونية وخطاب الكراهية الرقمي.

إلى أن يحدث ذلك، سيظل واقع الصحافة في العراق معلّقًا بين جيل يخشى أن يُمحى تاريخه، وجيل جديد يريد أن يكتب تاريخه بأدوات مختلفة، وبين نقابةٍ مطالَبة بأن تختار موقعها بوضوح: إمّا جزءًا من الحلّ في زمن التحوّل، أو ظلًّا باهتًا لمهنة تتغيّر من دونها.

تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *