اضطراب “نفسي واجتماعي” يضرب ذوي الدخل المحدود بسبب ارتفاع الأسعار » وكالة بغداد اليوم الاخبارية



+A
-A

بغداد اليوم – بغداد

يعيش المواطن العراقي هذه الأيام حالة ضغط مضاعف، كما يصفها المحلل السياسي سيف الهاشمي، “بين مطرقة الدولار وسندان الضرائب والجمارك”، في وقت تستعد فيه الأسر لاستقبال شهر رمضان، الذي يرتبط تقليديا بزيادة الإنفاق على الغذاء ومتطلبات المائدة. ومع تجاوز سعر صرف الدولار في السوق الموازية حاجز الـ 150000 دينار لكل 100 دولار، وتوسّع الضرائب والرسوم على الاستيراد، تتعاظم المخاوف من موجة غلاء جديدة تصيب الشرائح محدودة ومتوسطة الدخل بصورة مباشرة.

الهاشمي يقول في حديثه لـ”بغداد اليوم”، إنّ “العراق اليوم، ومع ارتفاع سعر صرف الدولار والضرائب والجمارك، يشهد حالة من الاضطراب النفسي والاجتماعي لدى المواطنين من متوسطي أو معدومي الدخل”، مبينًا أنّ “هذا يتزامن مع اقتراب شهر رمضان والعادات والتقاليد التي اعتاد عليها العراقيون في التبضّع وشراء المواد الغذائية ومتطلبات أجواء رمضان التي رافقتهم منذ سنوات طويلة”.

ويضيف أنّ “الحيرة اليوم تكمن في أنّ الدولار تخطّى حاجز الـ 150000 دينار لكل 100 دولار، حيث سجّلت الأسواق أسعارًا تقارب 150600 دينار، ما ينذر بارتفاعات جديدة تضرب جيوب المواطنين بشكل مباشر”، مشيرًا إلى أنّ “هذا الارتفاع ينعكس بصورة أشدّ على معدومي ومتوسطي الدخل، وعلى الموظفين الذين يشكّلون أكبر شريحة في المجتمع”.

بهذا الواقع، تتكرّس فجوة واضحة بين السعر الرسمي الذي يعلنه البنك المركزي، والسعر الفعلي الذي يتعامل معه الناس في السوق اليومية. فالمواطن لا يشتري بالدولار الرسمي، بل بسعر السوق الموازية، وهو ما يجعل كل ارتفاع، ولو كان محدودًا على الورق، يتحوّل إلى عبء ملموس في أسواق الجملة والمفرد.

سلسلة الغلاء المغلقة.. من المستورد إلى المواطن

يشرح الهاشمي أنّ “الغلاء المعيشي لا يمكن مقارنته ببضعة آلاف ارتفع بها سعر الصرف، لأنّ ارتفاع الدولار يطلق سلسلة مغلقة، تبدأ بالمستورد الذي يرفع أسعار البضائع، ويمتدّ الأثر إلى تاجر الجملة، ثم تاجر المفرد، لينتهي العبء في النهاية على المواطن العراقي البسيط”.

هذه “السلسلة المغلقة” يمكن تتبّعها بسهولة:

-المستورد يشتري بعملة صعبة أغلى، فيضيف ارتفاع كلفة الدولار إلى قائمة أسعار البضائع.

-تاجر الجملة، الذي يخشى بدوره من استمرار التقلّبات، يرفع الأسعار أكثر ليضمن هامش أمان وربح.

-تاجر المفرد يتلقّى هذه الزيادة، ويضيف عليها كلفة الإيجارات والنقل والمصاريف اليومية، لينتهي الأمر بسعر نهائي مضاعف على رفوف المحال.

في نهاية هذه السلسلة، لا يجد المواطن – خصوصًا من ذوي الدخل المحدود – أمامه إلا خيارين أحلاهما مر: إمّا تخفيض استهلاكه والتنازل عن جزء من احتياجاته الأساسية، أو الاستدانة وتحميل الأسرة أعباء مالية جديدة، في ظلّ رواتب ثابتة وفرص عمل محدودة.

ضرائب وجمارك تبحث عن إيرادات.. والمواطن يدفع الفاتورة

إلى جانب ضغط سعر الصرف، يواجه السوق العراقي مسارًا متصاعدًا في الضرائب والرسوم الجمركية، في إطار سعي الدولة إلى تعظيم الإيرادات غير النفطية. من حيث المبدأ، يُعدّ تنويع الإيرادات خطوة ضرورية لأي اقتصاد يعتمد على النفط، لكن الإشكال يكمن في طريقة التطبيق وتوقيته، وفي غياب شبكة حماية كافية للفئات الأضعف.

زيادة الرسوم الجمركية أو استحداث ضرائب جديدة على السلع المستوردة لا تبقى حبيسة الجداول الورقية، بل تنتقل فورًا إلى السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك. وبما أنّ أغلب ما يُستهلك في العراق مستورد، فإنّ أثر هذه الزيادات يكون واسعًا ويطال المواد الغذائية والدوائية والسلع الاستهلاكية على حدّ سواء.

في المقابل، لا تتواكب هذه الإجراءات مع إصلاح حقيقي في سلم الرواتب والأجور، ولا مع توسّع واضح في برامج الدعم المباشر أو شبكات الحماية الاجتماعية، ما يجعل المواطن – مرّة أخرى – الطرف الأضعف في معادلة تصحيح المالية العامة.

رمضان على الأبواب.. إنفاق موسمي أعلى ودخل ثابت

شهر رمضان، الذي يمثّل تقليديًا شهرًا لزيادة الاستهلاك الغذائي لدى أغلب الأسر، يضيف بعدًا جديدًا للأزمة. فالعراقيون اعتادوا استقبال هذا الشهر بحركة تبضّع واسعة، تشمل المواد الأساسية، واللحوم، والحلويات، وكل ما يرتبط بأجواء الموائد الرمضانية.

في الظروف العادية، يترافق هذا السلوك مع استقرار نسبي في الأسعار، أو زيادات محدودة يمكن استيعابها. أمّا اليوم، ومع الارتفاع الحالي في سعر الصرف، وتزايد الضرائب والرسوم، فإنّ أي أسرة متوسطة الدخل ستجد نفسها أمام فاتورة غذائية أعلى بكثير من الأعوام السابقة، دون أن يقابل ذلك تحسّن يذكر في مستوى الدخل.

هذا التباين بين “موسم إنفاق مرتفع” و”دخل ثابت أو متآكل” يخلق حالة ضغط نفسي واجتماعي ظاهرة، كما يشير الهاشمي. فربّ الأسرة يجد نفسه مضطرًا للموازنة بين تلبية متطلبات العادات الاجتماعية ورغبات أطفاله وأسرته في رمضان، وبين الحفاظ على القدرة على دفع الإيجار والفواتير والالتزامات الأساسية الأخرى.

أرقام رسمية هادئة وواقع معيشي قلق

على الورق، قد تظهر بعض المؤشرات الاقتصادية بنسب تضخم “مقبولة” أو قابلة للإدارة، لكن هذه الأرقام لا تعكس دائمًا الإحساس اليومي الذي يعيشه المواطن في السوق. فالتقارير الرسمية غالبًا ما تتعامل مع متوسطات عامة، بينما التأثير الفعلي يكون أشد وطأة على سلع بعينها، تمثّل جوهر سلة الاستهلاك الغذائية والمعيشية للأسر محدودة ومتوسطة الدخل.

الهاشمي يحذّر من أنّ “مؤشرات الأثر الاجتماعي للأزمة أخطر من الأرقام المجردة”، مشيرًا إلى أنّ استمرار هذا الوضع قد يدفع إلى مزيد من التوتر في الشارع، وزيادة معدّلات الشعور بالظلم وغياب العدالة، إذا لم ترافق الإجراءات المالية والرقابية بسياسات واضحة لحماية الفئات الأضعف، خصوصًا في المواسم الحساسة مثل رمضان.

ما المطلوب لتخفيف الصدمة عن الأسر العراقية؟

أمام هذا المشهد، تبدو الحاجة ملحّة إلى حزمة إجراءات متكاملة، يتقاطع فيها الاقتصادي مع الاجتماعي، من بينها:

-مراجعة إيقاع الضرائب والرسوم بحيث لا تُلقى كلفتها المباشرة على المواد الأساسية التي تمسّ حياة المواطنين اليومية، أو على الأقل تعويض تأثيرها عبر دعم موجّه أو تخفيضات في سلع محددة.

-تعزيز الرقابة على الأسواق ومنع المبالغة في هوامش الربح، عبر تفعيل دور الأجهزة الرقابية، وتشجيع ثقافة الشكوى والإبلاغ، ووضع سقوف سعرية واضحة للمواد الأكثر حساسية خلال موسم رمضان.

-تفعيل أدوات الحماية الاجتماعية من خلال توسيع شرائح المستفيدين من برامج الدعم النقدي والغذائي، وتحسين مفردات البطاقة التموينية نوعًا وكَمًّا، بما يخفف الضغط عن الشرائح الأكثر هشاشة.

-مناقشة سياسة سعر الصرف بشفافية أكبر وربط القرارات المالية بخطط زمنية واضحة، تشرح للشارع طبيعة الإجراءات، ومدة استمرارها، والعوائد المتوقعة منها، بدل ترك المواطن وحيدًا أمام مشهد معقد لا يفهم منه سوى ارتفاع الأسعار.

في المحصلة، يجسّد وصف سيف الهاشمي لـ”المواطن بين مطرقة الدولار وسندان الضرائب والجمارك” صورة مكثّفة للحظة العراقية الراهنة، حيث تتقاطع حسابات الإصلاح المالي مع هشاشة الواقع المعيشي، وتتقدّم مواسم الاستهلاك – وفي مقدمتها رمضان – على خلفية أسئلة صعبة حول القدرة على الصمود وتأمين الحدّ الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة.

ما إذا كانت الدولة ستنجح في تخفيف وقع هذه الصدمة على موائد العراقيين في الأسابيع المقبلة، سيبقى رهنًا بسرعة استجابتها، ودرجة جدّيتها في وضع المواطن، لا الأرقام وحدها، في مركز القرار الاقتصادي والمالي.

المصدر: بغداد اليوم+ وكالات



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *